Saturday, August 27, 2011

شكراً يا ريس على التناحة"


شكراً يا ريس على التناحة"
د. أشرف نجم

شأني شأن الجميع لم أكن أتوقع هذا التجاوب الرائع للشعب مع مظاهرة "يوم الغضب" ... غير أني خالفت كل من حولي بعدها حين رأيت في عيون الشعب الإصرار والأمل ... كان الجميع يترقب "جمعة الغضب" في خوف وحذر، وتوجس وخيفة، لكنني كنت واثقاً من النهاية، لقد انتهى الطاغية وقال الشعب كلمته وسيكتب بدمه السطر الأخير .. إنها ثورة، والثورات لا تتوقف حتى تبلغ أهدافها.
انتهى أمر الطاغية يوم "جمعة الغضب"، لكنه ظل يمارس هوايته في "التناحة" لمدة أسبوعين كاملين،
مراهناً على الخارج الذي خذله شأنه شأن كل العملاء والأذناب، ومزايداً على أعصاب الشعب وصبره .. ولم يعلم أن الشعب لا يعاند، وأن الجماهير حين تقول لابد أن يسمع لها، وأن حركة التاريخ غلابة مهما "تنح" في وجهها.
تلاعب الرجل بأعصابنا جميعاً طوال هذه الفترة، ورغم ثقتي بالنصر كنت أخاف على بلدي، وأتفاعل مع الجميع في لحظات الأمل وترقب النصر، وأثبت وأستبشر في ساعات الخوف و"التناحة".
هذه عيوب "التناحة" تأجيل إعلان النصر والضغط النفسي على الجميع ... غير أن للتناحة فوائد جمة عشناها جميعاً، ووجب أن أذكركم بها .. لنعتبر ... ونشكر ..
فشكراً للتناحة ... فقد أرجعتنا لله الواحد القهار .. إذ لو تم النصر في يومين أو ثلاثة لاعتقد البعض أن "قوة الشعب" هي التي قهرت الظلم، والحق أن الله تعالى هو الذي أدار المعركة .. وبقدرته وحده وقهره سبحانه كان النصر.
وشكراً للتناحة ... فقد كشفت معدن الشعب الأصيل .. صبر وجلد، وحدة وتلاحم، إصرار وثبات، ذكاء وفطنة .. والكثير الكثير.
وشكراً للتناحة ... فقد دلت الشعب على مكامن قوته وطريق حريته .. فتعلم الناس أن الخوف يورث الذل، وأن الشعب أقوى من أي نظام، وأن الوحدة طريق النصر والحرية.
وشكراً للتناحة ... فقد جعلت الشعب ينتزع حريته .. فيحميها بعدُ أبداً .. فلو وُهبت للشعب حريته دون أن ينتزعها من بين أنياب نظام شرس متشبث بالسلطة، إذاً لما عرف قيمتها ... أما اليوم فالحرية غالية دفع فيها الشعب ثمناً باهضاً، فمن ذا الذي يتجرأ على خدشها بعد اليوم؟!
وشكراً للتناحة ... فقد أظهرت العدو من الصديق .. فتمايز بالتناحة معسكر النفاق، واصطف فيه جيش من السياسيين والبلطجية، ورجال الإعلام والصحافة، وأهل الفن والرياضة .. انكشف الجميع أمام الجميع.
وشكراً للتناحة ... فقد كشفت الغرب على حقيقته .. بلا مبادئ ولا قيم، بلا ضمير أو روح .. يسعى لاهثاً خلف مصالحه حتى لو كانت على أشلاء الشعوب ورفات القيم .. فإذا تقين من سقوط "العميل" سارع بقذفه إلى مزبلة التاريخ .. شيء في غاية القرف.
وشكراً للتناحة ... فقد تلاعبت بالطغاة من حولنا .. تتقاذفهم بين وهم قهر الشعب والقضاء على ثورته، ليطمئنوا على عروشهم العائمة فوق بحار من الظلم والضلال .. وبين الواقع المر الذي ينذر بانتقال الثورة إليهم عما قريب، لتزلزل عروشهم وتقتلع ظلمهم كما فعلت مع الذين من قبلهم.
وشكراً للتناحة ... فقد أبرزت خفة الدم المصرية .. فإذا بالشعب وطوال أسبوعين كاملين يحوِّل احتجاجاته إلى "كرنفال" يتبارى فيه الناس في التعبير عن آرائهم بالخفة المعهودة للدم المصري، فالنكات والكاريكاتير، والهتافات والأغاني، والاسكتشات والمواويل، كلها تتندر بغباء النظام وتخلفه .. مبارك والكنتاكي، البلطجية والأجندات الخارجية، والخيل والجمال والحمير والإعلام المصري الرسمي.
وشكراً للتناحة ... فقد وحدت الشعب ونشرت الحب .. فقضى الناس في ميدان التحرير أياماً لن ينسوها، حتى شبهه البعض بالمدينة الفاضلة، فلا جريمة ولا تحرش، ولا جدال ولا نزاع، بل وحدة في الهدف وثبات على القضية .. حتى كتب بعضهم لوحة قال فيها: (لا ترحل سريعاً يا مبارك فقد أحببت الناس هنا وأحبوني).
وشكراً للتناحة ... فقد كشفت الثعالب والمخادعين .. فحاول عمر سليمان أن يقوم بدور المنقذ الديمقراطي الذي يحب الشعب، فانكشف مع الزمن .. وحاول أحمد شفيق أن يبدو "جنتلمان" يفهم الجيل الجديد، فزل لسانه بالبونبون والشيكولاته ففقد مصداقيته ... وهتف الناس في كل مكان: (لا لمبارك وسليمان .. مش عايزين شفيق كمان).
وشكراً للتناحة ... فقد عمقت الحب بين الشعب وجيشه .. فكم قد رأينا عناقاً بين الشعب وضباط الجيش، ورغم المحنة وقف الجيش على الحياد وربما انحاز أحياناً للشعب مدافعاً ومناصراً .. وأخيراً رأينا من ضباطه من يسلم سلاحه، ويخلع رتبته العسكرية وينضم للمتظاهرين ليهتف: (الشعب يريد إسقاط النظام) .. ويرد عليه المتظاهرون: (الجيش والشعب إيد واحدة).
وشكراً للتناحة ... فقد فضحت النظام البائد .. فصار أضحوكة بين العالمين، يتندر عليه الناس بأساليبه القديمة من البلطجية والجمال والسيوف، والشائعات الساذجة والمراوغات المكشوفة .. لقد حسم النظام بيده المعركة .. وكتب بغبائه شهادة وفاته.
وشكراً للتناحة ... فقد مسحت الآثار المتبقية من حسنات الطاغية القليلة .. فإذا تذكر الناس له حسنة، جاءتهم عشرات الجرائم لتغمرها فتخفيها .. فرحل الطاغية ويداه ملوثتان بدماء الأبرياء، والناس تتبعه باللعنة تلو اللعنة.
وشكراً للتناحة ... فقد أعادت مصر إلى صدارة الأمة ومقدمة العالم .. كل العرب تتابع أخبار ثورة مصر، والعالم الإسلامي يترقب ما سيحدث، والعدو يرتجف قلبه فرقاً مما سيصيب مشروعه الاستعماري الصهيوني بعد نجاح الثورة .. كل زعماء الدنيا يحيون الشعب العظيم، الذي يكتب بيده تاريخه الخالد، حتى قال رئيس وزراء إيطاليا: (ليس هناك من جديد .. فكالعادة، الشعب المصري يصنع التاريخ).
وأخيراً ... شكراً للتناحة ... فقد عظـَّـمت الفرحة في قلوب الشعب .. فلو أن النصر جاء سريعاً وبجهد قليل لما تعاظمت الفرحة في قلوب الناس ... فرحة رأيناها في عيون كل الشعب، وعلى وجوه المصريين في كل العالم، بل ورقصت أكثر من ثلاثين دولة فرحاً بانتصار "ثورة الشباب" أو "ثورة الغضب" أو "الثورة المصرية".
 
شكراً لك أيتها "التناحة" ... وإلى لقاء في ثورات قادمة بإذن الله.

No comments: